السيارات الذكية

السيارات الذكية – الثورة القادمة

أ. عادل آل مهنا

صناعة السيارات من الصناعات القديمة، وقد مضى على صناعتها أكثر من 100 سنة ومرت حينها بعدة تطورات لم تكن في المستوى المنشود في مجملها مقارنة بالتطورات الهائلة في صناعة الكمبيوترات. وقد نشرت مقارنات كثيرة بين صناعة الكمبيوترات وصناعة السيارات والتي من أشهرها مقولة بيل جيتس (لو أن شركة جي أم واكبت التكنولوجيا في صناعاتها كما هو الحال في صناعة الكمبيوترات، لأمكننا الآن شراء سيارة بـ 25 دولار والتي تصرف جالون واحد لكل 1000 ميل).

ربما يعتقد البعض أن تلك المقولة والمقارنة مبالغ فيها كثيراً ولكن في الحقيقة هي مقولة واقعية جداً، وللتدليل على ذلك هناك عدة مقاييس وأمثلة فجهاز

IBM 650

والذي يعتبر أحد أجهزة الجيل الأول من الكمبيوترات كانت تكلفته آنذاك 500 ألف دولار والتي تساوي في اقتصاديات اليوم قرابة 4 ملايين دولار وكان وزنه حينها 900 كيلوجرام وملحقاً به مزوداً للطاقة يزن 1350 كيلوجرام، في حين أن الكمبيوترات الحالية باتت أسعارها في متناول الجميع علاوة على إمكانياتها المتقدمة والهائلة أمام أحجامها الصغيرة جداً، علماً انه لم يمضي سوى 65 سنة منذ أن قدمت شركة آي بي أم ذلك الجهاز.

إلا أن الكثير من العلماء والخبراء يرون أن التكنولوجيا قادمة لا محالة لتغزو صناعة السيارات وتغير واقعها كلياً ولا يخفى على أحد كيف تمكنت التكنولوجيا من أن إزاحة الهواتف النقالة لتتربع مكانها الهواتف الذكية بكل قوة وصلابة ولا يخفى على أحد كيف بدأت التكنولوجيا مد شباكها بكل هدوء للأجهزة الأخرى كأجهزة التلفاز لتصبح ذكية والمنازل لتصبح منازل ذكية. فالانجازات التي طرأت تقنياً على السيارات بدأت في الآونة الأخيرة بالتزايد الملحوظ والمعلن والتي من أشيعها إضافة أجهزة الملاحة للسيارات وإضافة إمكانية ضبط السيارة في الموقف المناسب ذاتياً ومن دون تحكم السائق و إضافة ميزة إلقاء بعض الأوامر الصوتية.

إلا أن هذه المزايا لا يعتد بها كثيراً في عالم التكنولوجيا وليست هي الهدف الرئيس لعلماء الكمبيوتر في تطوير السيارات وأتمتتها، فالثورة الحقيقة في صناعة السيارات كما يراها مثل هؤلاء العلماء والخبراء تكمن في أبعاد أكثر من ذلك بكثير والتي تهدف في مجملها أن تصبح السيارات ذاتية السياقة والتوجيه وأن تطبق فيها نظريات الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة وبمعنى آخر أن تصبح السيارات ذكية فعلاً، ولتقدم حينها عدة فوائد ومنها:

  • تخفيض نسبة الحوادث المرورية بشكل كبير
  • تخفيض نسبة المخالفات المرورية لتكون شبه معدومة
  • تمكين راكبي السيارات من النزول في المحطات المطلوبة وتتولى سياراتهم الذهاب ذاتياً إلى موقف السيارات
  • تخفيض نسبة الازدحام المروري حيث أن السياقة الذاتية ستكون استجابتها أسرع لتعاليم الطرق وقوانينها والتحذيرات أو التغيرات التي قد تطرأ على الطرق.

وقد ظهرت علناً في السنوات القليلة الماضية بعضاً من التجارب للسيارات ذاتية القيادة والتوجيه، إلا أنه (وعلى ما يبدو) أن أول شركة ستشعل شرارة ثورة السيارات الذكية هي شركة قوقل! أجل شركة قوقل

Google.

فالمشروع الذي أطلقته قوقل سراً منذ سنوات وتحت إشراف فريق مختص بقيادة الدكتور

Sebastian Thrun

الذي يعمل أيضا باحثاً في قسم علوم الكمبيوتر في جامعة ستاندفور كان امتداداً لمشروع خرائط قوقل الرقمية، وقد تمكن الآن هذا الفريق من اجتياز اختبارات متقدمة جداً للسيارات ذاتية القيادة، وقد تمكنت شركة قوقل وبعد صراع مرير من الحصول على أول رخصة رسمية في شهر مايو الماضي (2012) من ولاية نيفادا الأمريكية لقيادة مثل هذا النوع من السيارات على أراضيها والتي صدرت خصيصاً لسيارة تويوتا بريوس التي عدلتها قوقل، نعم تم إصدار رخصة قيادة للسيارة نفسها مما يعني أن ولاية نيفادا مطمئنة تماماً بأن سيارات قوقل يمكنها القيادة ذاتياً وبجدارة تماماً كما لو أن أحدهم يجلس خلف مقود السيارة. وقد صرحت شركة قوقل في شهر أغسطس المنصرم (2012) أن الفريق المكلف بإجراء الاختبارات اللازمة على السيارة تمكن الآن من قطع مسافة إجمالية تبلغ 770 ألف كيلو متر من دون أي حوادث مرورية وفي أوقات وأزمنة متعددة كما وقد تمت التجارب في شوارع عدة وتحت ظروف مختلفة.

وقد واجه هذا المشروع تحديات كثيرة إذ تقدمت عدة جهات للمحاكم الأمريكية بطلب رفض تدخل قوقل وشركات الكمبيوتر في صناعة السيارات وذلك على ما يبدو خوفاً على مستقبل مصنعي السيارات الحاليين وكلنا يعلم كيف هوت أرباح شركة نوكيا إلى الحضيض حين إزاحتها الهواتف الذكية عن عالم الهواتف. ومن التحديات التي واجهت هذا المشروع ما يتعلق بالقانون وكيفية التعامل مع المخالفات المرورية والتي ربما تصدرها السيارات ذاتية القيادة والتوجيه، فهل يقع اللوم عندها على راكبي السيارة أم مصنعي السيارة أم على مبرمجي النظام أم على من؟

إلا أن شركة قوقل قد تمكنت من مواجهة تلك التحديات بشراسة، ماعدا تحدياً واحداً لم يتم مجابهته بعد، وهو التحدي المالي. فالاستشعارات والحساسات والأجهزة المضافة حاليا في السيارات التي عدلتها قوقل تبلغ قيمتها قرابة 200 ألف دولار وإذا ما تمكنت قوقل من التغلب على هذا التحدي فحتماً سنرى حينها بداية انطلاق ثورة السيارات الذكية وعند ذلك سيتغير مفهوم قيادة السيارات على وجه العالم حتماً لا محالة وبعد مدة وجيزة من الزمن لن يتمكن أطفالنا من تصديق ماضينا وكيف كنا نقود سياراتنا بأنفسنا وما كانت إلا مجرد آلة صماء لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم.